ابن عجيبة
278
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ بالثواب والعقاب وفناء الدنيا ، أو : أوتوا العلم باللّه ، فيؤخذ منه : أن متمنى الدنيا جاهل ولو كان أعلم الناس ؛ إذ لا يتمناها إلا المحب لها ، وهي رأس الفتنة . فأىّ علم يبقى مع فتنة الدنيا ؟ ! قالوا في وعظهم لغابطى قارون : وَيْلَكُمْ ؛ هلاكا لكم ، فأصل ويلك : الدعاء بالهلاك ، ثم استعمل في الزجر والردع على ترك ما لا يرضى . وقال في التبيان في إعراب القرآن : هو مفعول بفعل محذوف ، أي : ألزمتكم اللّه ويلكم ، ثَوابُ اللَّهِ في الآخرة ، خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً مما أوتى قارون ، بل من الدنيا وما فيها ، وَلا يُلَقَّاها أي : لا يلقى هذه الكلمة التي تكلم بها العلماء ، وهي ثواب اللّه خير ، إِلَّا الصَّابِرُونَ . أو : لا يلقى هذه القوة والعزيمة في الدين إلا الصابرون على الطاعات وعن الشهوات وزينة الدنيا . وفي حديث الترمذي : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « من ترك اللباس - أي : الفاخر - ؛ تواضعا للّه تعالى ، وهو يقدر عليه ، دعاه اللّه على رؤوس الخلائق ، حتى يخيّره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها » « 1 » . وفيه أيضا عنه عليه الصلاة والسلام : « ليس لابن آدم حقّ في سوى هذه الخصال ؛ بيت يسكنه ، وثوب يوارى عورته ، وجلف الخبز والماء » « 2 » . أي : ليس معه إدام . قال تعالى : فَخَسَفْنا بِهِ ؛ بقارون وَبِدارِهِ الْأَرْضَ ، كان قارون يؤذى موسى عليه السّلام كل وقت ، وهو يداريه ؛ للقرابة التي بينهما ، حتى نزلت الزكاة ، فصالحه : على كل ألف دينار دينار ، وعلى كل ألف درهم درهم ، فحاسبه فاستكثره ، فشحت به نفسه ، فجمع بني إسرائيل ، وقال له : قد أطعتم موسى في كل شئ ، وهو الآن يريد أن يأخذ أموالكم ، فقالوا : أنت كبيرنا فمرنا بما شئت ، قال : نجعل لفلانة البغي جعلا حتى تقذف موسى بنفسها ، فيرفضه بنو إسرائيل ، فجعل لها ألف دينار ، أو : طستا من ذهب ، فلما كان يوم عيد قام موسى خطيبا ، فقال : من سرق قطعنا يده ، ومن افترى جلدناه ثمانين ، ومن زنى وليس له امرأة جلدناه مائة ، ومن زنى وله امرأة رجمناه ، فقال قارون : وإن كنت أنت ؟ قال : وإن كنت أنا ، قال : فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة ، فأحضرت ، فناشدها بالذي خلق البحر وأنزل التوراة أن تصدق ، فقالت : جعل لي قارون جعلا على أن أقذفك بنفسي ، فخرّ موسى ساجدا يبكى ، وقال : اللهم إن كنت رسولك فاغضب لي ، فأوحى اللّه تعالى إليه : مر الأرض بما شئت فيه ، فإنها مطيعة لك ، فقال : يا بني إسرائيل : إن اللّه بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون ، فمن كان معه فليلزم
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في ( صفة القيامة ، باب 39 ، 4 / 561 ح 2481 ) ، والحاكم في المستدرك ( 1 / 61 ) وصححه ، ووافقه الذهبي ، من حديث معاذ بن أنس . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند ( 1 / 62 ) ، والترمذي وصححه في ( الزهد ، باب 30 ، 4 / 494 ، ح 2341 ) من حديث سيدنا عثمان بن عفان رضي اللّه عنه وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « وجلف الخبز » أي : ليس معه إدام . انظر : النهاية في غريب الحديث ( 1 / 87 ) .